من يملك حق تسمية الخليج؟
بين من يصنع التاريخ ومن يكتبه.
نُشِر في صحيفة العرب*، عدد الأحد، 06 أيلول (سبتمبر)، 2026.
لتحميل المقال من موقع الصحيفة ( اضغط هنا من فضلك)
عبدالسلام صبحي طه
تعود مسألة تسمية الخليج لتطفو على السطح من جديد، ما دفعني إلى الاستفسار عن الآليات التي جرى تبنيها في اعتماد تسميات الممرّات والمسطّحات المائية التي يتشارك سكانها ضفتيها، والتي تكتسب في بعض السياقات الدولية صفة الاعتراف الرسمي من خلال استخدامها في الوثائق والخرائط الصادرة عن الأمم المتحدة وهيئاتها.
والسؤال الذي يُطرح ببساطة هو: هل من المنطق أن تتحول تسمية أطلقها جغرافيون ومؤرخون إغريق، في سياق تاريخي وسياسي محدد، إلى تسمية نهائية عابرة للعصور، بينما تُهمَّش التسميات التي عرفها سكان المنطقة أنفسهم؟
تعدد التسميات
إذا كانت إحدى التسميات المتداولة المرتبطة ببلاد فارس قد ظهرت في المصادر اليونانية القديمة، فعلينا أن نضعها أولًا في سياقها التاريخي. ففي القرن الخامس قبل الميلاد كانت الدولة الأخمينية متسيدة للمشهد السياسي في الشرق الأدنى، وبسطت نفوذها على رقعة واسعة، وكانت في صراع مباشر مع اليونان؛ ومن الطبيعي أن يزداد اهتمام المؤرخين والجغرافيين الإغريق بها.
وتشير المصادر إلى أن تسمية «البحر الفارسي» ربما ظهرت للمرة الأولى في عمل جغرافي (مفقود) لـ«هيكاتايوس الميليتي» نحو 500 ق.م. ثم جاءت حملة الإسكندر المقدوني، التي أنهت الدولة الأخمينية فعليًا عام 330 ق.م، وقد رافقه جغرافيون ومؤرخون دوّنوا مشاهداتهم عن البلدان والشعوب التي دخلت تحت نفوذهم. وفي هذا السياق توسعت المعرفة اليونانية بالخليج، ولا سيما بعد رحلة الأميرال نيارخوس، قائد أسطول الإسكندر، سنة 325 ق.م.، وأتاحت للإغريق معرفة مباشرة بسواحله وموانئه.
لوحة اسطول الاسكندر في الخليج باتجاه بلاد بابل. للفنان الفرنسي «اندريه كاستيغ» Andre_Castaig، (1899-1898م.)
ولست هنا بصدد إنكار أن تسمية «الخليج الفارس» لها تاريخ قديم في المصادر اليونانية والرومانية؛ فهذا أمر لا معنى لإنكاره. لكن الجغرافيا القديمة لم تكن منظومة من أسماء ثابتة كما نتعامل معها اليوم. فقد أشار سترابون إليه، أيضًا، بوصفه «بحر فارس»، في حين أنه كان يسميه، أيضًا، بالـ «البحر الإريثري» بمعنى أوسع يشمل الخليج العربي وأجزاء من الخليج الفارسي.
ويكشف هذا التداخل أن التسميات كانت تتعدد بحسب المصدر والسياق. إذ يذكر بطليموس في القرن الثاني للميلاد، في كتابه الشهير (الجغرافيا): «خليج ميسان»، الذي ارتبط بمنطقة ميسان في جنوب بلاد الرافدين.
وهنا أضيف دليلًا لم يحظَ، في رأيي، بما يستحقه في هذا النقاش: ففي أرشيف الدولة العثمانية وردت تسمية «خليج البصرة» في خرائط ووثائق رسمية، وهي حكمت هذا الإقليم لما يقارب أربعة قرون. كما ترد في خريطة فرنسية من القرن السابع عشر تسمية «خليج القطيف». وهذا يعني أن التسمية الفارسية لم تكن، حتى في العصر الحديث نسبيًا، الاسم الإداري والسياسي الوحيد المستقر لهذا المسطح المائي.
خارج النظرة المركزية الغربية
أما المحور الأهم في هذا المقال، في رأيي، فيتصل بالمكانة المركزية التي احتلها الإرث اليوناني- الروماني في كتابة التاريخ من المنظور الغربي، وما ترتب على ذلك من ترسيخ للنظرة «المركزية الغربية» إلى العالم القديم. والمقصود ليس الانتقاص من منجز اليونان أو روما، وإنما الاعتراض على التعامل معهما بوصفهما المصدر المرجعي شبه الحصري لفهم التاريخ والحضارة، وكأن ما كتبوه عن الشرق القديم هو التاريخ نفسه، ولا وجود لسرديات كتبها آخرون عن مجتمعات سبقتهم أو عاصرتهم.
المشكلة إذن ليست في أن اليونانيين استخدموا تسمية معينة، بل تبدأ عندما تتحول تسمية جاءت عبر تقليد جغرافي يوناني- روماني إلى حقيقة أزلية ونهائية، بينما تُهمّش التسميات المحلية. فمن امتلك أدوات التدوين والنشر والتأثير في الوعي اللاحق ليس بالضرورة صاحب الحق الحصري في تسمية الأماكن والشعوب والأقاليم.
فمنذ فجر التاريخ في بلاد الرافدين، عرفت النصوص القديمة هذا المسطح المائي بتسميات متعددة، من «البحر السفلي» بالنصوص السومرية إلى «بحر شروق الشمس» في الأكدية، ثم «البحر المر» في الآشورية، وغيرها من التسميات المرتبطة بالاتجاهات والمناطق والأقوام. وهذا وحده يكفي للتذكير بأن اسم الخليج لم يكن ثابتًا عبر التاريخ، وأن تعدد التسميات ليس ظاهرة حديثة، بل جزء من تاريخ المنطقة نفسها.
ثم يأتي العصر الأخميني. ففي نقش للملك دارا ( داريوش) الأول (حكم 521–486 ق.م.) على «مسلة الشلوف»، المكتوب بأربع لغات، يرد وصف لقناة تصل النيل بالبحر الأحمر، ثم إلى «البحر الذي يأتي من فارس». وهنا تظهر ملاحظة جديرة بالتوقف: فدارا يشير إلى البحر بالإحالة إلى بلاده، مستخدمًا هذا التعبير، وليس مصطلحًا مماثلًا لتسمية «الخليج الفارسي».
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين الساحل الإيراني الممتد على الخليج وبين إقليم عربستان (أو خوزستان)، الذي شهد حضورًا عربيًا تاريخيًا مهمًا، إذ لا يصح اختزال كامل الساحل الإيراني في إقليم واحد. كما أن الخليج لم يكن في يوم من الأيام حدًّا يفصل بين عالمين مغلقين، بل كان مجالًا للحركة والتجارة والهجرة والتداخل السكاني بين ضفتيه.
الحضور العربي على الساحل الشرقي للخليج ليس ظاهرة حديثة نشأت بعد الإسلام، وإن كانت الهجرات العربية قد توالت على تلك السواحل في فترات مختلفة، ولا سيما في المناطق الواقعة اليوم ضمن بوشهر وهرمزﮔان. إذ تشير المصادر التاريخية إلى عبور قبائل من البحرين وعُمان والسواحل العربية إلى الضفة المقابلة واستقرارها فيها. ومن بين هذه الجماعات بنو كعب وبنو تميم والقواسم وغيرها، في حين احتفظت بعض التجمعات العربية في جنوب إيران بلغتها العربية إلى جانب الفارسية حتى الأزمنة الحديثة.
تجاوز النزاعات
أما النزاع بصورته السياسية الحالية فهو أحدث بكثير من التاريخ الذي تستند إليه حجج الطرفين. فقد اتسع استخدام «الخليج العربي» في العالم العربي خلال القرن العشرين بشكل صريح، في حين تمسكت إيران بتسمية «الخليج الفارسي». ومن هنا انتقل الاسم من كونه مصطلحًا جغرافيًا إلى أن أصبح جزءًا من خطاب الهوية والسياسة.
ورب قائل يقول: وما الحل إذا كان التاريخ نفسه لا يحسم القضية بشكل قاطع لأي طرف؟ وهنا أقول بصراحة: لا أظن أن هناك حلًا تاريخيًا - فيلولوجيًا حاسمًا؛ فالتاريخ لا يقدم اسمًا واحدًا ثابتًا عبر جميع العصور والسياقات، وإن كانت تسمية «الخليج الفارسي» ذات حضور قديم وموثق في المصادر الكلاسيكية. لكن قدم هذه التسمية لا يحولها، في حد ذاته، إلى ملكية تاريخية حصرية للمسطح المائي، ولا يلغي التسميات الأخرى التي عرفتها المنطقة في سياقات مختلفة.
لكن غياب الحسم التاريخي لا يعني غياب الحل. فالمَخرج، كما أراه، ليس في معركة على أرشيف ونصوص لن تنتهي، بل في الدنو من الحاضر والمستقبل عبر حل توفيقي. وقد اتجهت بعض الخرائط والمنصات الرقمية، مثل خرائط غوغل وناشونال جيوغرافيك، إلى الإشارة إلى الاسمين معًا في بعض السياقات، كما طُرحت في نزاع «بحر اليابان/ البحر الشرقي» بين اليابان وكوريا حلول تتجنب تغليب اسم قومي على آخر. فإن كان العالم قد وجد سبلًا للخروج من نزاعات على مسميات أشد تعقيدًا، فلا أرى مبررًا لأن يبقى نزاع اسم الخليج رهينة تعصب قومي-تاريخي لا طائل منه. والحل، أو أحد الحلول الممكنة، قد يكون اسمًا محايدًا متعلقًا بالموقع أو اللون، كما حصل في أسماء بعض البحار
المعتمدة.
Gulf of the Orient.
وسأجازف هنا بأن أقترح، شخصيًا، حلًا حضاريًا يليق بتاريخية هذه المنطقة وإرث الخليج نفسه: «خليج الشرق » وليست الفكرة مجرد البحث عن اسم ثالث يخرجنا من ثنائية «الفارسي» و«العربي»، وإنما عن تسمية تستعيد الخليج بوصفه فضاءً مشرقيًا مشتركًا، عبرت مياهه منذ فجر التاريخ سفن السومريين، ومرّ به أسطول الإسكندر، وتناقل البحارة والتجار على سواحله حكايات، تجسدت في مغامرات السندباد، وصولًا إلى عالم اللؤلؤ والصيد والتجارة الذي ظل يربط ضفتيه. وهي تسمية تستلهم، بشكل واعي، التراث الأدبي والثقافي المشترك الذي تشكّل على ضفتيه عبر آلاف السنين.
الخرائط :

خريطة عثمانية يظهر فيها المسمى خليج البصرة ، 1870م.

خريطة بظهر فيها اسم (الخليج العربي) باللاتينية اتنشرت فى الاطلس الصغير 1634 لميركاتور وهندويس

.خريطة يظهر فيها المسمى ( بحرالقطيف) ترقى للقرن 17 للميلاد لجانسن


Comments powered by CComment