متابعات

عصور حضارة وادي الرافدين القديمة - مفاهيم خاطئة وحقائق علمية

أ.د. نائل حنون


على المرء أن يقرأ الكثير حتى يجيد الكلام المفيد، ويتعمق في ما يقرأ حتى يكتب ما هو صحيح، وقراءة الرصين والجيد هي ما تمكِّن المرء من اختزان المعرفة وطرحها بما ينفع لمَن يستحق. وإنْ لم تكن هناك معرفة ولا قراءة واعية لمصادر معرفية حقيقية هادفة يصبح الكلام تضليلاً وتسويفاً. ولقد شاب مشهد حضارة وادي الرافدين القديمة، الحضارة الرائعة والرائدة وصاحبة الزخم الأكبر من العطاء والإبداع والإنجاز، الكثير من التضليل من خلال الحديث عنها من غير علم بكيفية نشوئها وبمكوناتها وبناتها ومنجزاتها الحقيقية وأسرار لغاتها. وساد الظن أن الحديث عن هذه الحضارة القديمة مثله مثل الحديث عن السياسة، يمكن لأي كان أن يدلي بدلوه فيه، دونما الحاجة إلى استيعاب معطيات عدة علوم تقترن بدراسة الحضارات القديمة وتفسير جوانبها المادية والفكرية. وأقل ما يؤهل المرء للحديث عن حضارة قديمة، وإعطاء الرأي بتفسير مكوناتها، هو الإلمام بآثارها ولغتها، أو لغاتها، القديمة. 

هناك الكثير من الأوهام التي تكتنف الفهم المعاصر لبعض جوانب حضارة وادي الرافدين، وقد أصبحت هذه الأوهام تمثل مخاطر تهدِّد الصورة الحقيقية لهذه الحضارة ذات التأثير العميق في ماضي البشرية وحاضرها. ومما يزيد من مخاطر هذه الأوهام أنها شائعة حتى في أوساط بعض المختصين. ومن المثير للقلق أن أفكاراً كثيرة وتصورات عن حضارة وادي الرافدين بُنيت على هذه الأوهام وأصبحت من المسلمات ومدخلاً لتناول جوانب هذه الحضارة. ومما بني على الأوهام الفهم الخاطئ للمدخل الأساسي في دراسة حضارة وادي الرافدين، ألا وهو تسمية عصورها من قِبل العلماء الغربيين المحدثين. 

لقد أثبتت نظرية "الرمزية" (Tokenism) أن جذور ابتكار الكتابة، بهدفها الأول التوثيق، كانت ممتدة عميقاً في ثقافات الأدوار القديمة منذ العصر الحجري الحديث حتى وضحت معالم الابتكار في العصر الشبيه بالكتابي، ونضج أخيراً في عصر فجر السلالات حينما استعملت السومرية في التدوين وتبعتها عملية التدوين باللغة الأكدية المحكية آنذاك. وطوّر ابتكار الكتابة الأولى وتوّسع استعماله في العصور التاريخية لحضارة وادي الرافدين عصراً بعد عصر، وبلغ ذروته في تدوين كلتا اللغتَين السومرية والأكدية في العصر البابلي القديم (2004- 1595ق.م)، وبلغ ذرى أخرى في عصر البابلية القياسية والعصرَين البابلي الحديث والآشوري الحديث (من نحو أوائل الألف الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي). وطوال ذلك التاريخ لم تشهد حضارة وادي الرافدين حلول قوم قادمين مع حضارتهم ليحولوا مسار التاريخ الذي سار بوتيرة واحدة من التطور والتقدم بخطى تتسارع كلما تعمقت التجربة وتراكمت الخبرة. وكان السكان القدماء على حالهم متعددي الأعراق مع هجرات لمجموعات صغيرة أو تهجير محدود لأقوام أخرى. 

توّجت عملية ابتكار طريقة للتوثيق، وهي العملية التي استغرقت ما يقرب من خمسة آلاف سنة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ، برقم طينية حسابية أو رقمية يقرأ مضمونها بدون كلمات، وبالتالي بدون لغة تقرأ. وفي مرحلة لاحقة وضعت للعلامات المرسومة ألفاظ مقطعية. 

وهذه المرحلة مهدت لابتكار لغة ممكنة الكتابة نسميها اليوم "اللغة السومرية" القائمة على رسم علامات وإعطاء لفظ مقطعي، أو أكثر من لفظ، ولكل علامة. وبعد هذه المرحلة تم التوصل إلى استعمال العلامات التي دونت بها السومرية في كتابة اللغة الأكدية نتيجة لتوافر علامات مرسومة مع أصوات لكل منها، أي بتحويل علامات بألفاظ مبتكرة إلى طريقة مقطعية لتدوين كلمات اللغة الأكدية.

حضارة وادي الرافدين أم حضارات وادي الرافدين؟ هي حضارة واحدة أصيلة رائدة من بين حضارات العالم ضاربة جذورها في عمق التاريخ في ما قبل العصر الحجري الحديث. مرت بعصور وأدوار عدة، وأسهمت في بنائها أقوام عدة. يتردد القول في أيامنا هذه أن العراق بلد "الحضارة السومرية" و"الحضارة البابلية" و"الحضارة الآشورية". وهذا يحتِّم القول، المبني على المبدأ نفسه، بحضارات أخرى مثل "الحضارة الآرامية"، و"الحضارة الأمورية"، و"الحضارة الكاشية" و"الحضارة الحورية". وكلا القولين غير جائز أصلاً. ولعل القول الأول يمهد لطرح القول الثاني. فلماذا انفردت حضارة وادي الرافدين، من بين حضارات العالم القديمة، بهذا التجني عليها؟ لم يسم أي عصر من عصور الحضارة القديمة حسب اسم قوم أو مجموعة عرقية، وقد جاءت تسمية تلك العصور من قِبل العلماء المحدثين حسب معايير أخرى مختلفة من مرحلة إلى أخرى.

ففي عصور ما قبل التاريخ أطلق اسم المادة التي كانت تستعمل أكثر من غيرها في صنع الأدوات على كل عصر. ولذلك سمي العصر الحجري القديم والحديث نتيجة لكثرة الأدوات الحجرية. وحين ظهر استعمال المعدن (النحاس) إلى جانب الحجر في صنع الأدوات سُمي العصر الحجري- المعدني. وبسبب طول هذا العصر (6500- 3500ق.م) قسم إلى خمسة أدوار (حسونة، سامراء، حلف، العبيد، أوروك القديم). وكان هذا التقسيم بناء على تغير طراز الفخار الذي توصلت حضارة وادي الرافدين إلى صنعه في الجزء الأخير من العصر الحجري الحديث (في نحو 7000ق.م). وقد تميز فخار كل دور من الأدوار الخمسة بنمط مختلف الطراز. أما الأسماء التي اختيرت لهذه الأدوار الخمسة فهي الأسماء المحلية للمواقع الأثرية التي اكتشفت في كل منها أول نماذج كل طراز من الطرز الخمسة للفخار. أي أن التسمية لا تعتمد على أهمية الموقع أو كثافة السكنى والآثار فيه، وليست لها صلة بسكان الموقع أو المنطقة الجغرافية. وقام البعض (إما جهلاً أو تحريفاً) بإطلاق اسم كل موقع على السكان القدماء الذين عاشوا في الدور الذي يحمل اسمه، وهو ما فعله صموئيل نوح كريمر في تسمية "العبيديين" لسكان البلاد في دور العبيد، وهو الاسم الذي أخذه علماء الآثار من اسم "تل عُبيد" الصغير في جنوبي العراق؛ لأن أول عينات من فخار الدور اكتشفت في ذلك التل. ولم يعرف البعض أن أكبر موقع من ذلك الدور وجد في لواء الإسكندرونة على الساحل السوري، وهو تل كرد الذي بلغ سمك طبقة العبيد فيه نحو خمسة أمتار، وكذلك تسميات مضللة أخرى مثل الحلفيين والأوروكيين وغيرهم! وسواء أكان الأمر متعمداً أم مجرد حذلقة كلامية؛ فإنه ضلل الكثيرين وأوحى إليهم أن سكان كل دور كانوا يتغيرون ويتغير معهم نمط الفخار المستعمل، وأخذ هؤلاء يرددون هذه التسميات مقتنعين بالتصور الخاطئ. فالسكان كانوا هم أنفسهم، وما كان يتغير هو شكل الفخار الذي كانوا يستعملونه مثلما تتغير "الموضة" في وقتنا الحاضر بمرور الزمن، سواء في الملابس أم الأثاث أم الأدوات، من غير حدوث تغير سكاني يُذكر. لم يستعمل العلماء المختصون بحضارة وادي الرافدين تسمية "العصر البرونزي" و"العصر الحديدي" للعصور التي تلت العصر الحجري- المعدني في العراق القديم كما هي الحال للمناطق المجاورة. فبعد ابتكار الكتابة ومعرفة تفاصيل الحياة السياسية والدول التي قامت في الألف الثالث قبل الميلاد، قسم العلماء هذا الألف إلى "عصر فجر السلالات" (أو عصر ما قبل سرجون، حسب تسمية العلماء الألمان)، "العصر الأكدي القديم" (أو العصر السرجوني)، "عصر سلالة جوديا" و"عصر سلالة أور الثالثة". وأي من أسماء هذه العصور لم تكن له صلة بالقوم سواء أكانوا سومريين أم أكديين ؛ إنما هي تسميات مستمدة من أنظمة الحكم والسلالات الحاكمة؛ بل إن تسمية "عصر فجر السلالات" التي يعدها البعض مطابقة للعصر "السومري"ـ اشتقها هنري فرانكفورت من نتائج عمله في التنقيب في منطقة ديالى (تلول أسمر وخفاجي وأجرب) خلال ثلاثينيات القرن العشرين. 

وكان معظم سكان تلك المنطقة من الأموريين ؛ لكنهم يستعملون السومرية في التدوين إلى جانب اللغة الأكدية. وقد أدى الجهل بهذه الحقائق إلى سوء فهم وتحريف في دلالة مصطلحات حضارة وادي الرافدين. وبعد الألف الثالث قبل الميلاد، أي منذ 2000 قبل الميلاد إلى 79 ميلادي، ظهرت اللهجات الأكدية (البابلية والآشورية) وتطورت على مر السنين، فقام العلماء بتقسيم ذلك الزمن إلى عصور سُميت حسب اللهجة الأكدية السائدة في كل عصر. أي لا علاقة لاسم العصر مع السكان القدماء أو الأقوام التي تكونوا منها. ولأن اللغة الأكدية تفرعت إلى لهجتَين (بابلية وآشورية) في ذلك الزمن؛ فقد سُميت العصور إما بابلية وإما آشورية، حسب انتشار كل منهما في الجنوب أو الشمال. فكانت العصور البابلية هي عصور تطور اللهجة البابلية، وهي العصر البابلي القديم، البابلي الوسيط، البابلي الحديث والبابلي المتأخر. وليس لهذه التسميات علاقة بالسكان القدماء ولا بالدول التي تعاقبت خلال هذه العصور، ولكن أسيء فهمها بشكل كبير، وكذلك أسيء استعمالها والبناء عليها. والشيء نفسه يقال عن العصور الآشورية وهي: الآشوري القديم والآشوري الوسيط والآشوري الحديث. ولو رجعنا إلى العصر البابلي القديم والآشوري القديم لوجدنا ملوكهما أموريين. وفي العصرَين الوسيطَين بدأ صعود الآراميين. وفي العصرَين البابلي الحديث والآشوري الحديث كان الملوك آراميين. وكانت أسماء العرش لجميع أولئك الملوك أكدية، وهي غير الأسماء الأصلية لهم، وإن احتفظ بعضهم بأسماء تنم عن أصولهم.

 أما العصر البابلي الأخير فقد سُمي حسب اللهجة البابلية من اللغة الأكدية التي تطورت فيه حينما لم تكن هناك دولة بابلية وإنما سلسلة من الدول والحكم الأجنبي من الأخمينيين والمقدونيين إلى السلوقيين والفرثيين. ولكن بقيت اللغة الأكدية مستعملة بلهجتها المتأخرة، التي حمل العصر اسمها، وكذلك السومرية التي لم ينقطع استعمالها طوال العصور البابلية المتعاقبة.

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker