د.امل بورتر

مدرسةُ بغداد للتصويرِ الوَاسِطِي والحُرية

Posted in د. أمل بورتر

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

د. امل بورتر

 

 

الغلاف

 

نَما في خُلدي هَاجسٌ مَحموم فِي البَحثِ، والاستقصاء، والكتابة، وتَقديمِ المُحاضراتِ، والحَديثِ، ومِن ثُمّ تَدريسِ مَدرسةِ بغداد للوَاسِطِي لِطلَبَةِ الجَامِعَاتِ، وتَنظيمِ مُحاضراتٍ ونَدواتٍ لجمعياتٍ ومُؤسساتٍ مُتنوعةٍ فِي بُلدانٍ مُختلفة. وكَانت أولى بَوادرُ المَعرفةِ عَن الوَاسِطِيّ بِدَفعَةٍ قَوية مِن أساتذتي الدكتور خالد الجادر، والنحات جواد سليم، وعبدُ الرحمن الكيلاني خِلالَ تَدريسِهِم لنَا مَادة تاريخِ الفَن، ولم يُسعفني ما وَجَدتُ عَنه مِن معلومات سِوى ما ذُكر هُنا وهُناك عَن مَقاماتِ الحَريري أعني النُصوصَ لا الصُور. وكَانَ الدُكتور خالد الجادر كَريمًا في حَديثهِ عَن هَذا المُوضوع مُسهبًا في ذِكرِ أغلبِ التفاصيل،  إذ بَينَ  أينَ تُوجدُ لَوحاتُه، وأشار لنَا بأسماء المَتاحفِ الّتي تَحتضنُ كَنزَ الوَاسطي، كما وتحدث الجادر عَن أُطرُوحَتِه الّتي قَدَمَها عِندَ تَخَرُجِه مِن  مدرسةِ الفُنونِ الجَميلةِ  في باريس "البوزار"، والَتي تَوَسَمت بِعُنوان "المَخطوطاتُ العراقية فِي الفَترة العَباسية"، حيثُ كَانت لَوحاتُ الوَاسِطِي عِماد هذهِ الأطروحة،  وكان يُمني الَنفس بأنهُ سَيُحَولِها لِكِتابٍ مَطبوع يومًا ما؛ أما أستاذي جَواد سَليم فالمعروفُ عَنه الاقتصاد فِي الكلمة, وكَانَ الأستاذ عبدُ الرحمن الكيلاني يَكتفي بِبعضِ الإشارات، إذ كَانَ تَركيزهُ عَلَى النحتِ أكثر.

وتَشاءُ الحَياةُ أن تَسحَبني مَعها إلى أوروبا، في زَمالةٍ دِراسية إلى موسكو،  فكَانتِ الفُرصة مُناسبةً لزيارةِ مَتحف الأرميتاج  الذي لم يكن بعيدًا عن سُكناي، لَكنَ التنقلَ حِينها مِن مدينةٍ إلى أًخرى فِي ظِل الاتحاد السوفييتي كَانَ يَستلزمُ مُوافقةَ جِهاتٍ أمنية سُوفييتية تُصعّب التنقل، إذ يُحتجزُ الأجانب لأوقاتٍ طَويلة قَبلَ السَماحِ لهم بالمرور, وقتها شَفعَ لي جَوازُ سَفري العراقي، ولو أنَ اسمي الإنكليزي أثارَ الرَيبة والشكوك، لكني تَمكنتُ مِن الوصول ووضعتُ قَدمي فِي الأرميتاج المُذهل، ومَعي رِسالةٌ مِن أستاذي في مَعهد سوريكفا ألكسندر دينكا، وهو فَنانُ روسي عَالمي لهُ شُهرةٌ واسعةٌ، كَانَ قَد سُجن سابقًا خلال حكم ستالين.

 في الأرميتاج لم تسر الأمورُ كما كُنتُ أحلم، فَمَخطوطةُ الوَاسِطِيّ تَرقدُ فِي خَزائنٍ مُقفلة، تُعرضُ فَحسب للباحثين فِي الدِراساتِ العُليا أو لأصحابِ التخصص فقط، فِي حين كُنت أنا مُجردَ طَالبةٍ في السنة الأولى بِمعهد للرسم، دُموعي هي سِلاحيَ الوَحيد لأقنعَ المُوظفة السوفييتية الجَادة المسؤولة عن هذهِ الخَزائن، لَكنَ هَذهِ الدُموع لَم تُفلح مَعها فعدتُ إلى مقر إقامتي مُصابة بالخيبة، لَكنَ هَاجس الوَاسِطِيّ مَا زال متوقدًا داخلي.

بَعدَ إتمام الدِراسةِ فِي الاتحاد السوفيتي عُدت إلى العراقِ لأعمل فِي المَتحف الوطني العِراقي، رافق ذلك تَكوين أسُرَتي الصَغيرةَ مَع زَوجي يُوسفُ جِرجيس حمد الذي كان يعملُ مُحاميًا، لكنه كان فنانًا أيضًا ومهتمًا بالعملِ التلفزيوني والسينمائي، فَضلًا عن اهتماماته المَسرحية، وصداقاته للعديد من الفنانين.

ذاتَ يَوم استدعاني مُدير الآثار العام الدكتور عيسى سلمان، فَوجدتُ عِندهُ أستاذي وصَديق العائلة الدكتور خالد الجادر، الذي كَان قد تخرج عام 1954 من البوزار، وحَصلَ منها عَلى دَرجة الدكتوراه عَن أُطروحتهِ المُعنونة بـ"المَخطوطاتِ العِراقية المُصورة مِن فَترة القُرون الوسطى والمَحفوظةِ فِي المَكتبةِ الوطنيةِ بباريس"، وهَذا يعني طبعًا أنها دِراسةٌ مُستفيضة عَن الواسطي.

في ذَلكَ الوقت جَاء الجادر ليتبرعَ بِمَجموعةً كَبيرةً مِن كُتبهِ لِمُديريةِ الآثار، ويَطلبَ جَردها بِمُساعدةٍ مِن المُديريةِ لاختيارِ الكُتب المُناسبة، وكُنتُ أنا مَن تمَ اختيارها لِتقومَ بِذلكَ العَمل.

وهَكذا اسِتمَرَت صِلةُ المُلاحقةِ بَيني وبينَ الوَاسِطِيّ، وصِرتُ أذهبُ يَوميًا إلى بيتِ الدكتور خالد الجادر، يُوصلني زَوجي إليه بسيارتِهِ، ومَعنا طِفلنُا فِي طَريقهِ إلى الحَضانة، ثُمَ يَعودُ زَوجي لِيقضي هو وخَالد الجادر بَقيةَ الصَباحاتِ بالحديث، ويَكونَ للوَاسِطِي الصَدارة, وبَقيتُ مُستمرةَ فِي جَردِ وتَصنيفِ الكُتب، وتم اختيار المُناسب منها، لأبتعدَ عَن الوَاسِطِيّ مُرغمةً لأعود إليه مرةً أخرى, كَان ذَلكَ حِينَ جَرى الإعدادُ لمِهرجانِ الوَاسِطِي فِي بغداد مِن قِبلِ وزارةِ الإعلام سَنة 1972، وقَد شاركَ فيه حينها جَمهرةٌ مِن المُثقفين بِمقالاتٍ وكتبٍ بعناوينَ مُتنوعة، مِنها كِتابُ أُطروحةِ الدكتور خالد الجادر الصَادرِ عَن مَطبعةِ ثنيان، وكِتابُ "تراثِ الرسمِ البغدادي" للمِعماري المَعروف الدكتور محمد مكية، وكتابُ "المدرسةِ العربية للتصويرِ الإسلامي: ملامحُ مدرسةِ بغدادَ للتصوير" للدكتور عيسى سلمان ونوري الراوي، وكتابُ "المرأةِ فِي رُسومِ الوَاسِطِيّ" لناهدة عبد الفتاح النعيمي، وكتابُ "الواسطي" للدكتور محمد مكية وشاكر حسن آل سعيد وميخايئل عواد، وكتابُ "مَدرسةُ بغداد في التصويرِ الإسلامي" لزكي محمد حسن.

فِي تِلكَ السنة نَفسِها كُنتُ أتوجسُ خِيفةً، إذ بَدا لي أنَ كُل النشاطاتِ الثقافيةِ سَتُجيرُ كَصيغةِ تبجيلٍ للنظامِ الحاكم، لذا كَانَ لا بُدَ من أن أتركَ مِحرابي ومَعبدي، وهو المَتحفُ العِراقي، لأبقى فِي وَطَنِي مَنفيةً داخلَ بيتي، وفي ساحاتِ عَملي فِي شَركتي الصِناعية، بَعيدًا بأميالٍ وفراسخَ عن كُل مَشهدٍ ثَقافي أدبي فَني، فَقد كَان  في الحُسبان أنها كُلها ستلوَّث، وإذا بالأقدارِ تُؤكدُ لي مَا خُفت مِنه، وحَدثَ فِعلًا أن ذُبِحَتْ الثَقافةُ كأُضحيةٍ للقائدِ الضَرورة، لَكنني كُنتُ حِينها قَد خَففتُ الهَمَ عَن نَفسي بابتعادي عَن هذا التَلوثِ ابتعادًا أبقاني مُحتفظةً بِكرامتي وعَزةِ نَفسي، لَكنَ للبُعد أوجههُ المُخفيةَ المُستترةَ، فَفيهِ أدرَكَني التَعب ُوالتَوترُ بسبب الضُغوطِ النفسيةِ لهذا الجَفاء.

خَذلني الصَبرُ بسببِ قُوةِ النِظامِ وشَراستِهِ، وكَان لا بُد مِن الهَرب، لأرحلَ صَوبَ بِريطانيا مَع زوجي في شَهرِ أيلول سنة 1990، بَعدَ نهايةِ مَجزرةِ الحربِ العراقيةِ الإيرانية، وبَعدَها بأشهر مَعدودات تشاء الأقدار أنَ تَأخذَ مِني زَوجي وسَندي بنوبةٍ قلبية.

 لمَ تَكُن أمامي نافذةً مشرعة سِوى الدِراسة، فَعدتُ لدِارسةِ تَاريخِ الفن، وإكمال تَحصيلي العَالي، وبَرز الوَاسِطِيّ أَمَامي وأنا أبَحثُ فِي الكُتبِ والمَصادرِ المُختلفةِ، المَوجودةِ بكِرمٍ في مَكتبةِ الجامعةِ عَن تَخَصُصي المُستقبلي فِي  تَاريخ الفُنون، وكَيفيةِ تَطورها، وخَرجَ الوَاسِطِيّ مِن أعَماق القُرونِ المَاضية لأجدَ  ذَلكَ الدورَ الواضحَ  فِي تَأثيرِ أعَمالهِ وقَلبِهَا للمُعادلات، وتَغييرِ فِكرةِ الفُنون التَشكيلية فِي وقَتِه، وقَد اسِتلهمتُ من أساليبه ونتاجاته لخَلقِ فَرضياتٍ وتَصَورات عَن التَجديدِ فِي المَفاهيمِ والأساليبِ المُتبعةِ حِينها، مَعَ  فَجرِ نُشوءِ مَدارسٍ فَنيةٍ مُختلفة.

 فِي بريطانيا، أسَعفني الحَظ بأن ألتقي الدكتور محمد مكية ليَدورَ نِقاشُنا عَن الوَاسِطِيّ هَميَ الكَبير، فبدأت سِلسِلة مِن الحِوارات الشِيقةِ مَع الدُكتور مكية للتعريف بالوَاسِطِيّ، وفَهمِ أعمَالِه ومُناقشتِها.

استمرَت أحَاديثُنا فَترةً ليسَت بالقصيرةِ، وتَبلورت كُلها، مَع قِراءاتي، عَن فِكرةِ مُحاضرةٍ وحَديثٍ عَن الوَاسِطِيّ، وفِعلًا  تَم ذلكَ بِدعوةٍ  مِن مكية للحُضورِ إلى غاليري الكُوفة، وكَانت جَلسةً مُختلفةً قَدمتُ فيها تَحدياتِ الوَاسِطِيّ عِبر لَوحاتِهِ الّتي أُرفضُ بإصرار إطلاقَ صِفةِ المُنمنمةِ عليها، أو أنَها مُستوحاةٌ مِن الفٌنون الفَارسية، أو البِيزنطية، فَما أنتجهُ الوَاسِطِيّ لَوحاتٌ فيها مَوضوعٌ ناضج مُتكامل matter) subject)   تَشرحُ بِتركيبَتِها التَشكيليةِ المُميزةِ وتُوثقُ وتَتَحدثُ بِعُمق لا بِفكر أُحَادي، بَل عَن فلسفةِ الحياةِ بكُلِ أبعادِها وتَفاصيلها مِن دُونِ حَرجٍ أو تَنازلات، وبِتَحدياتٍ  كَثيرة تتنوع مَضامينها  الفلسفية, وتتزاوجُ أُطروحاتها مَع مٌحيطها إبان تَنفيذها،  كما وأنَها استلهمت لحَضاراتِ الرَافدينِ القَديمة  الموغلةِ في أعماقِ التاريخ، إذ تستندُ شُخوصها على الواقعِ فِكريًا وعمليًا مُرسخةً أقدامها عَلى  خطِ الأرضِ الّتي تَنسجمُ فِي مُحتواها مَع  النص، وفيها يَلتقي المَكانُ بالزمان بالحدثِ الذي يعرفهُ الناسُ فِي الواقع، لَكنَ الوَاسِطِيّ يُقدمه وَقد أضَفى عَليهِ الجَمال والجَلال والواقعية وحِسه المُرهف، ضِمن خَلفيةٍ تُذكّرُ المُشاهدَ بِحياتِهِ الّتي يُمارِسُها يَوميًا، وبأسلوبٌ رائد يَتضمنُ كُلَ أركانِ العَملِ التَشكيلي مِن الفِكرةِ إلى المَضمونِ إلى اللون، وتوزيعِ الثِقل والمَساحاتِ والتَوازن والانسجامِ والتناغم، لا مُنمنةٌ تَطوفُ مُفرداتها وَاحدةٌ فَوقَ الأُخرى بألوانٍ مُبهرجةٍ، صَاخبة، عائمةٍ في فضاءاتٍ غيرِ مُحددة بينَ (أرضٍ/ وسماءٍ/ وحدائق... إلخ)، كَما فِي أُسلوب المُنمنماتِ الشَرقيةِ الفَارسية، أو رُسومٍ لشُخوص تَقفُ متراصةً، متراصفةً، متصلبةً، جامدةً، ولأغلبِها، بَل لكِلُها، بُعدٌ ديني قُدسي كَما في النِتاجاتِ البيزنطية, بينما قَدّمَ الوَاسِطِيّ، مَع مَا ذَكرت، عرضًا شاملًا لقابليةِ الرسامِ الحِرفيةِ مَع التأكيدِ عَلى فَلسفتِهِ ومَنهجِهِ فِي التَفكيرِ والإنجاز.

نِتَاجاتُ الوَاسِطِيّ لَيسَت عَملًا تَزويقيًّا يُفرِّحُ ويروّحُ عَن النفسِ فَقط، أو يُذكّر بالتقوى والإيمان، أو العِقابِ والثَواب، أو استعراضًا عَاطفيًّا لمِلاحمِ غَزلٍ وهِيام، أو لأساطيرِ نَجاحِ مَعاركَ حَربيةٍ  تُمتّع المُتلقي بمَنظرٍ جَميل، مَضمونُهُ مُبهرجٌ وضاجٌ  بألوانٍ صَاخبة، وبمِناظِرَ وقِصصٍ لا يَتعدى مُحتواها  ومَضمونُها وأهدافُها الفَخرَ، والتَحذيرَ، والبَهجةَ والاستمتاع فَقط، بَل يُقدمُ لنَا الوَاسِطِيّ عَملًا عِمادهُ الالتصاقَ بالأرض، ونَفحاتٍ مِن الجَو الجُغرافي والاجتماعي الذي تُمثلهُ تِلكَ الحِكاياتُ المُقتضبة، بِكُلِ تَقاليدِها ومُعطياتِها المُتعارفِ عَليها، مَمزوجةً بنَفحاتٍ مِن حَضاراتٍ مَلأتِ الأرضَ الّتي ولِدَت فيها الحَكايا فِي مَقاماتِ الحَريري.

ذَهبتُ، بَعدَ هَذهِ النَدوةِ، إلى مَطعمٍ قَريب مِن الغاليري فِي لندن باقتراحٍ مِن الصَديق فَاضل السلطاني، ورفقةَ مَجموعةً ممن أرادوا الحَديثَ بِعُمقٍ أكبرَ حَولَ الوَاسِطِيّ، وكَان نِقاشًا مُتنوعًا تَوسطتهُ أسئلةً كثيرةً أثارت فِي نفسيَ الفَرحَ، ونُشرَ عنها مَقالً مُهم فِي جَريدةِ الشَرقِ الأوسطِ اللندنية كَتبهُ الصَديق فاضل السلطاني تَحتَ عُنوان "الوَاسِطِيّ كفنانٍ حُر قَرأ الواقعَ كَما هو لا كَما يَتمناه". 

ورغمَ أنَ العُنوان شَكلَ حَيرةً ما، فَقد كَانَ غنيًّا جدًا عَرّفَ فِيه الكَاتب الوَاسِطِيّ إلى جُمهورٍ واسعٍ مِن قُراء الجَريدة، وأخَذت تَصِلُني استفساراتٌ كَثيرة، أغَلبُها مِن طَلبةِ الدارساتِ العليا، وجَرت بالفعلِ مُناقشةٌ واسعةٌ للواسِطِيّ حَول تِلكَ الطُروحات الّتي أوردتها، أو كَما اعتبرتهُ فَنانًا لَه فَلسفتُهُ المُميزة الوَاضِحة في مُخاطبِة المُتلقي.

استمريت في نَقلِ الوَاسِطِي مَعي أينما حَللتُ ورسيت قِلاعي، ومنِها فُرصتيَ الذَهبيةُ الغَنية لتَدريسِ تاريخِ الفنِ في جَامعةِ السُلطانِ قَابوس لطُلابِ كُليةِ التَربية، حَيثُ جَمعتُ كُلَ أسلحتي وقُوتي وشَجاعتي لتدريسِ الطَلبةِ أهمَ مَقامةٍ نَصًا ورسمًا للحَريري وللوَاسِطِيّ وهي المَقامةُ العُمانية، وهُنا يَجبُ أن أعترف بأنني كُنتُ خائفةً هلعةً، لكَني أخفيتُ خَوفي وهَلعي بابتسامات مُشرقةٍ دَائمة، وكَسبتُ ثِقةَ طَلبتي وحُبَهُم واحترامهم لي؛ فَقد رَكزتُ عَلَى احتواء الجَميعِ وتَشجيعِهم مِن دُونِ حُدود، فَتحتُ لَهم مَكتبي للنِقاشاتِ حَولَ الكثيرِ مِن المَواضيع، فأنا عَلى عِلمٍ بمَحدوديةِ التَوسعِ فِي تَاريخ الفن ومَحاذيرٍ تَجاوز للحِدودِ المرسومة اجتماعيًا، ليسَ مِن قِبلِ الجَامعةِ أبدًا، فالمِنهاج أنا أقُرره كَما أخبروني عِندَ تَسلمي العَمل، وقَالوا "لكِ بشكلٍ خَاص، قَدمي المَواضيعَ الّتي تُحفزُ الطَلبةَ، وتُوسعُ مَدارِكَهُم الفَنية، ولا مَحاذيرَ وحدود  بالنسبة لكِ". فَعلتُ بِحُدودِ مَا يَسمحُ لي الوَضعُ الاجتماعي، وقَدمتُ الوَاسِطِيّ، ولِحُسنِ حَظي كَانَ فِي مَكتبةِ الجَامعةِ كتابُ الدكتور ثروت عكاشة المُعنون بـ "فنِ الواسطيّ مِن خِلال مَقاماتِ الحَريري: أثرٌ إسلامي مُصور"، الصَادرُ عَن دارِ المَعارفِ بمصر، وأوصيتُ الطلبةَ باستعارتِه، ففيهِ الصُورةُ الّتي لو عَرضتُها أنا لسببت أزمةً بكلِ تأكيد، لكنني تَجاوزتُ ذلكَ بشكل فيه التفافٌ على الواقع. وقد تَخرجَ الطلبةُ وهم عَلى فَخر بعُمان والمَقامة العُمانية التي وضّحتُ لهم أهميتها.

احتَضَنَتني دِمَشق فِي مَكانٍ شَعَرتُ فيهِ بأن روحَ الوَاسِطِيّ تَجمَعُني بِجُمهورِها، وتَم نَشرُ المُحاضرةِ فِي الصُحف، وجَرى الحَديثُ عَنها. كَانت أيامًا دِمشقيةً حَقيقيةً مليئةً بالتاريخِ والحَضارةِ والبَوحِ بالعِشقِ لماضٍ مُعرّضٍ للنهبِ والتشويهِ والتخريب. وتَحدثتُ عَن الوَاسِطِيّ فِي مَتحفِ الفِن الحَديثِ بالعاصمةِ الأردنية عمّان، أما في مَدينتي الإنجليزية الوادِعةِ عَلى نَهرِ "التاين"، الذي عَمدته بإسمه الجَديدِ "دِجلة"، حَيثُ يَجتمعُ أعدادٌ مِن المُهتمين بالفن، والكثيرِ مِمن يمارسونه وينتجونه بِكُلِ أبعادهِ التَشكيلية، فَقد قَدمتُ لَهم الوَاسِطِي عِبر لَوحاته ومُناقشتي لها، فأصبحَ اسمهُ متداولًا بينهم.

وأخيرًا، أضعُ بين أيَديكُم هَذا الكُتيب الذي استَعرضُ فِيه نصًا، الأفكارَ والمزايا، مَع مُلحقٍ بالصورِ مِن حَضاراتٍ وعصورٍ مُختلفة، مُرفقةٍ بإشاراتٍ وشروحٍ عَن اسِتلهاماتِ الوَاسِطِيّ.

تَمهيد:

كَان لا بُدّ مِن دَقِ إسفينِ التَفرقةِ بينَ المَوجودِ مِن النِتاجِ الحَضاري الآثاري القَديم، بِكُلِ صِيغهِ مِن فَن وأدبٍ وشعرٍ وقوانين ومَلاحمَ وعَاداتٍ وتقاليد، ومَا طرأ عَلى الأرضِ مِن تَغيراتٍ فَلسفيةٍ فِكرية بِظهورِ مُعتقدٍ جَديد مُؤثر خَارجَ الاعتياديةِ النَمطية وذِي سَطوةٍ عَالية، والذي قبِلته التَجمعاتُ السُكانية وجَمعَ شَملها بِوحدةٍ أُطلقَ عليها الأُمة، ولَم تَعد تُفرّقها المَساحاتُ الجُغرافية، بَل التمت تَحتَ سَماءٍ واحدةٍ يُنيرها  تَاريخُ حَضاراتٍ مُتعددة ومُتنوعة بَأصدائها وتَأثيراتِها الحَيويةِ فِي مَجالاتِ التَوجهاتِ المُرتبطةِ بِتَطورِ الفِكر والمُجتمع، لِذا كَانَ لا بُدّ مِن خَلقِ ما يُبعدُ ويُغرّبُ الشُعوبَ الّتي تَمتعت بالفكرِ الجَديدِ عَن التَاريخِ القَديمِ الذي اعتبرتهُ جِهاتٌ مُعينةٌ دُستورها، ومِنحةً مِن الله، فَتم دَقُ الإسفين بِعزلِ مَا انتجتهُ تِلكَ الشُعوب  قَديمًا مِن عُلومٍ وآدابٍ وفُنون وما طرأ من جَديد في عَوالمِ الإبداع  وفي الفنونِ قاطبةً، وما يَلحقَ بِها مِن مُكملات إنشائية صِناعية حِرفية بمُسمى ديني، فالمُتعارفُ عَليه، ووفقًا للمَنطق أن تَسميةَ أي نِتاج  حَضاري لا يَأخذُ أيَ بُعدٍ ديني، بَل يَحملُ فَلسفتهُ الخَاصة، وِفقًا لجُغرافيته المنبعثةِ من حَضاراتهِ السابقة مُتزاوجةً مَع الفِكرِ الجَديد بِكلُ أبعادهِ وفَلسفته، فَالتسميةُ الدينيةُ للفُنون وخِلافًا لِكُلِ التَسميات التي أُطلقت عَلى النِتاجاتِ الحَضارية، مُنذ فَتراتِ مَا قَبلَ التاريخ واستمرارًا في كُلِ الفَتراتِ الّتي شًاهدت تَطورَ الإنسانِ والفنونِ إلى الوقتِ الحَاضر. فَكُل فَترةٍ سُميت إما بِموقِعها الجغرافي أو مَدرستِها الّتي تَبنت صِياغتها وهذا بَعضٌ مِن الأمثلة ، فَترةُ ما قَبلَ التَاريخِ أو رُسومُ الكُهوف ثُم فَتراتُ الفُنونِ القَديمةِ ومِنها الفَنُ السُومري ,البابلي, الآشوري، وفُنونُ الفَترةِ الفينيقية ثُم  الكَنعانية والمِصرية القَديمةِ وفُنونُ الماوري والأزتيك والمايا والفُنونُ الصينيةُ واليابانية  وفُنونُ جَنوبِ شرقِ آسيا  وفُنونُ أمريكا اللاتينية أو فُنونُ الهُنودِ الحُمر سُكانِ أمريكا، و كذلك الفَترة  ما قَبلِ الكولومبية بتسمية أخرى فترةَ  ما قَبلَ الاحتلال الأوربي والفنِ الكلاسيكي والفنِ الرومانسي والواقعي والانطباعي والسوريالي ... إلخ إلخ  وتَستمرُ التَسميات بهذهِ الصيغة.

 

لاستكمال المطالعة وتحميل الكتاب ( أضغط هنا من فضلك)

 

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker